الناس

مسؤولو النظام السوري يحتجبون إعلامياً.. خوفاً من تنمر المواطنين!/ وليد بركسية

المسؤولون السوريون يخافون من “التنمر” الذي يمارسه “الأخوة المواطنون” في مواقع التواصل. ليست نكتة العام 2021 ولا خبراً ساخراً في صحيفة “الحدود”، بل هي النظرية المذهلة التي قدمتها صحيفة “البعث” الرسمية في البلاد، لتفسير عدم ظهور المسؤولين، مرهفي الإحساس كما يبدو، على الشاشات الرسمية من أجل الحديث عن المشاكل الاقتصادية والخدمية والخطط التنموية، رغم “الانتصار على الإرهاب” ونهاية “الحرب الكونية”.

وفي مقابل الاستياء الشعبي من سوء الحياة في البلاد، يتواجد صمت عام من قبل المسؤولين بما في ذلك الوزراء الذين باتوا لا يظهرون لإجراء لقاءات مثلما كان الحال بعد سنوات الثورة السورية عندما كثف النظام حضور مسؤوليه لإعطاء انطباع كاذب أمام الشعب السوري في الداخل باستمرار وجود هيكلية للدولة السورية، كان يجب إبرازها في وجه خطرٍ وجودي كاد يطيح بالنظام لولا التدخلات الخارجية، الروسية والإيرانية تحديداً، وسياسة الأرض المحروقة التي اتبعها النظام لقمع ثورة شعبية سلمية طالبت بالإصلاح السياسي فقط.

ومع زوال ذلك الخطر من أدبيات النظام وخطابه على الأقل، بفعل الانتصارات العسكرية، يستعيد النظام بروده المعتاد الذي كان حاضراً قبل العام 2011، عندما كان السوريون لا يعرفون ربما أسماء الوزراء والمسؤولين أو لا يميزون وجوههم رغم أن تلك الأسماء كانت تتعاقب على حمل الحقائب الوزراية من دون تغيير يذكر عاماً بعد عام. وفيما كان اللوم يلقى حينها على “الإعلام الخشبي” من ناحية وعدم وجود حاجة ملحة لـ”التواصل” والتركيز على “الفعل لا القول”، فإن ذلك ينتقل إلى ما بات ركيزة أساسية في الخطاب الرسمي وهي لوم السوريين أنفسهم على كل ما يجري في البلاد من كوارث.

على أن كذبة خوف المسؤولين من المواطنين تبقى أكبر من أن يصدقها حتى أشد الموالين ولاء لنظام الأسد، فالدولة السورية بجذورها العسكرية والشمولية خطت حاجزاً من الخوف المتراكم منذ سنين، وسمح الفساد والمحسوبيات وغياب القانون والعدالة والقدرة على المساءلة، للمسؤولين مهما كانت درجتهم، بممارسة العنف على المدنيين، بشكل إذلال في الدوائر الرسمية مثلاً أو بشكل أفجع قد يصل حد الضرب من قبل المرافقة والاعتقال والتسبب في مشاكل أمنية. وتحولت كلمة “المسؤول” نفسها إلى “بعبع” يرمز للظلم الذي يعرفه كل من عاش في سوريا في السنوات الخمسين الماضية، وزاد الأمر سوءاً مع تحول زعماء الميليشيات المحلية الداعمة للنظام إلى مسؤولين وأعضاء في مجلس الشعب مؤخراً.

وفيما يبقى استخدام كلمة “تنمر” لافتاً لوصف الانتقادات التي يقدمها السوريون في مواقع التواصل، فإن تلك الانتقادات تبقى محدودة بسبب القمع الرسمي، ففي السنوات الماضية باتت حالات الاعتقال المتكرر لناشطين إعلاميين ومواطنين عاديين ونجوم موالين وعاملين في الإعلام الرسمي، على أيدي قوات الأمن السورية، بتهم “نشر الأخبار الكاذبة” و”النيل من هيبة الدولة”، نمطاً متكرراً يشير بوضوح إلى أن النظام يسحب حرية التعبير النسبية التي أتاحها في مناطق سيطرته بعد الثورة السورية، والتي سمح بموجبها بتوجيه انتقادات علنية تتعلق بأداء الحكومات السورية المتعاقبة من الناحية الخدمية فضلاً عن الحديث عن فساد المسؤولين اقتصادياً.

ولا يتعلق الحديث هنا بالموظفين أصحاب الرتب العالية كالوزراء ومعاونيهم على سبيل المثال، بل يطال الموظفين العاديين الأقل شأناً، بدليل حادثة “مدام فاتن” الشهيرة العام الماضي، وهي موظفة تهجمت على مواطنين كانا يراجعان دائرة رسمية تابعة لمؤسسة المواصلات الطرقية في وزارة النقل للحصول على مخصصات غذائية عبر البطاقة الذكية، وتم وصف من انتقدها بأنه “يمارس التنمر الإلكتروني” مع التهديد برفع دعاوى قضائية والملاحقة الأمنية للمنتقدين عبر فرع الجريمة المعلوماتية في وزارة الداخلية.

وكان النظام السوري متساهلاً إلى حد ما خلال سنوات الثورة، في موضوع حرية التعبير في مناطق سيطرته، في الموضوعات الخدمية والمحلية، مقابل التشدد في ما يخص انتقاد المنظومة الأمنية أو العسكرية أو الحديث عن الانتماء السياسي للنظام والمسّ برموزه وجيشه. وهي سياسة كان الهدف منها توفير متنفس للمدنيين الراضين عن النظام جزئياً ومنعهم من الانقلاب على النظام بسبب فشله في توفير الخدمات الأساسية، وتحديداً الكهرباء، فضلاً عن مشاكل ارتفاع الأسعار وانتشار مظاهر الفقر، والنقمة العامة فيما يخص موضوع التجنيد الإجباري.

ومع ضمان النظام السوري لبقاء رئيسه بشار الأسد في السلطة، عطفاً على الانتصارات العسكرية التي حصل عليها النظام بعد التدخل العسكري الروسي المباشر إلى جانبه العام 2015، والتي أعقبت سنوات من تراجعه عن أكثر من ثلثي مساحة البلاد، بات النظام في وضع أفضل لاسترداد مقدار الحرية الضئيل الذي سمح به سابقاً، لأن طبيعته كنظام شمولي تقتضي تحكمه بمصادر المعلومات.

ومن المدهش حقاً كيف يستطيع النظام السوري تجاهل كل الوقائع التي تجري في البلاد، من أجل الوصول إلى نتيجة واحدة يكررها بلا ملل، وتتلخص في رمي كل مشاكل البلاد على مواقع التواصل الاجتماعي التي تصبح جزءاً من المؤامرة الكونية ضد “الدولة السورية”، حيث يكرر الإعلاميون الموالون ووسائل الإعلام الرسمية، كل يوم، الحديث عن أن شركات التكنولوجيا الكبرى تعمل من أجل خدمة “الغرب السفيه الفاجر” ولذلك لم تقم بحجب مواقع التواصل في البلاد، رغم العقوبات الغربية المفروضة على النظام ورموزه بما في ذلك “قانون قيصر”.

بالتالي، يصبح المواطنون ممن ينتقدون ويرفعون صوتهم في مواقع التواصل، من وجهة نظر النظام، “أشباه أميين” يتطاولون على أسيادهم وهم بحاجة للوعي والتثقيف والإرشاد من طرف “القيادة الحكيمة” القادرة وحدها على إيصالهم للطريق الصحيح حتى لو كانوا “غير مؤهلين للتقييم الفعلي وليس لهم أية خبرات في المجال التي تثار حوله ردات الفعل السلبية، أو يحاولون إثارتها”، مع التأكيد طبعاً على أن كل النقاط السلبية التي تتداول في “فايسبوك” و”تويتر” هي حملات تدار من الخارج ويتم من خلالها التغرير بالسوريين لأغراض “مسيئة”.

ورغم هذه الحملة وحديث رئيس اتحاد الصحافيين موسى عبد النور عن أن مواقع التواصل “لا تندرج ضمن الوسائل الإعلامية” وأن الإعلام في البلاد ينحصر بالإعلام الرسمي، فإن اتجاه النظام لحجب مواقع التواصل في البلاد يبقى غير مرجحاً لأن النظام يمارس عبر تلك المواقع رقابة غير مسبوقة على السوريين ويستخدمها لضخ دعايته السامة بطرق مباشرة وغير مباشرة مع إمكانية خلق الشائعات وبث الأخبار الكاذبة بسهولة، وهو ما يظهر في تقارير شركة “ميتا” الأخيرة عن نشاطات الجيش السوري الإلكتروني في “فايسبوك”، وهو مجموعة من القراصنة الإلكترونيين يتبعون في العموم لفرع المخابرات الجوية.

ومع التبريرات الهزلية والتلاعب بالألفاظ ومحاولة عكس الصواب السياسي المنتشر عالمياً على الوضع السوري، يصبح من المسلي فعلاً متابعة الإعلام الرسمي بكل ما يحمله من كوميديا غير مقصودة. فمن المسلي مثلاً قراءة عبارات متأففة مثل أن مواقع التواصل تشكل “منبراً للحمقى” يحن أصحابها إلى زمن ترديد الشعار في الشعب البعثية، لكن ما يمنع الانجرار وراء الرغبة في الضحك أو حتى الابتسام، هو الطبيعة الظلامية لهذه الكلمات التي تصف الشعب السوري من قبل “حكومته” المفترضة.

ويصبح الشعب السوري حاملاً لصفات مثل التخلف والهمجية والغباء والطائفية والأصولية، بما يمنع رئيس النظام بشار الأسد من الوصول للحكم الرشيد الذي كان يمكنه تحقيقه لو امتلك شعباً أفضل. ويجعل ذلك بالتالي كل ما قام به النظام خلال السنوات الماضية ضد الشعب السوري مبرراً وطبيعياً لأن الخلل في سوريا يكمن في الشعب الجاحد الذي يجب تربيته والعمل على تصفيته وخلق “مجتمع أكثر تجانساً”، وهي عبارات خرجت من فم الأسد شخصياً في عدة خطابات ولقاءات إعلامية سابقة له.

وعليه يصبح المطلوب من السوريين أن يصمتوا، خوفاً على أنفسهم وحرصاً على مشاعر المسؤولين، أما عكس ذلك فيعتبر إساءة لصورة البلاد ودعماً للإرهاب. وبهذا فإن خطاب النظام يحافظ على جموده لا أكثر، ويصبح الانهيار الاقتصادي الحالي دليلاً على الانتصار العسكري ما يستوجب الاحتفال لا الاحتجاج. وفيما يتم التأكيد على أن النصر العسكري الذي حققه “الجيش السوري”، ليس كافياً لتحقيق النصر في “المعركة الاقتصادية” المستمرة، فإن الحل يتمثل في صمود المواطن السوري كعربون شكر وامتنان لـ”الدولة السورية” على الاستقرار الأمني. وتجلى ذلك تماماً في مقال مواز نشرته “البعث” أيضاً بعنوان “انتصار مكلف.. ولكنه محرض ومحفز”.

ويظهر المقالان المنشوران جنباً إلى جنب، الهوة التي تفصل النظام، بوصفه سلطة سياسية فاقدة للشرعية، عن السوريين، بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية. ففيما يحاول النظام تجديد نفسه بالعودة إلى جذوره، تبقى فلسفته الشمولية محافظة على إطارها العام: “المواطنة تعني الخضوع التام للقيادة”، فإن السوريين عبروا بوضوح عن تجاوزهم لتلك المرحلة وباتوا بحاجة لنظام سياسي يلبي تطلعاتهم ضمن عقد اجتماعي جديد لا يقوم على الخضوع، وكان ذلك بالتحديد محور الثورة السورية المطالبة بالكرامة والديموقراطية معاً قبل عشر سنوات. المدن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى